منظمة فكر للحوار والدفاع عن الحقوق والحريات

قضايا محلية » الازمة واثارها

أزمة البحر الأحمر تدخل مرحلة حرجة: استهداف الناقلات يهدد بنشوء نقطة اختناق جديدة

أزمة البحر الأحمر تدخل مرحلة حرجة: استهداف الناقلات يهدد بنشوء نقطة اختناق جديدة

 أخذت الأزمة المتصاعدة في البحر الأحمر بعدًا جديدًا وأكثر خطورة إثر إعلان جماعة «أنصار الله» استهداف سفينتين نفطيتين تابعتين للمملكة العربية السعودية.

يأتي ذلك عقب فرض الجماعة حظراً على الملاحة البحرية السعودية، مما يُنبئ بنشوء نقطة اختناق ثانية تهدد إمدادات النفط العالمية إلى جانب شبه الإغلاق الكامل لمضيق هرمز.

وفي تفاصيل الميدان، أعلنت جماعة الحوثيين عن استهداف الناقلتين السعوديتين «إنسيليا» و«ليلى»، بزعم مخالفتهما لقرار الحظر النافذ من جهتهم.

وصرح المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، في بيان رسمي، بأن العملية نُفذت باستخدام صواريخ باليستية ومجنحة بالإضافة إلى طائرات مسيّرة، مؤكداً وقوع إصابات مباشرة أدت إلى نشوب حرائق واسعة فيهما.

كسر الحصار

وأضاف أن هذه الهجمات تأتي في إطار ما سماه «كسر الحصار وتثبيت معادلة الحصار بالحصار»، معلناً إجبار نحو عشر سفن أخرى على التراجع، ومؤكداً استمرار هذه العمليات.

وأيّد نائب رئيس الهيئة الإعلامية للجماعة، نصر الدين عامر، هذه العمليات، في تصريحات تلفزيونية، مؤكدا استمرار عملياتهم حتى تحقيق مطالبهم.

وقال: «لا رجعة عن مطالبنا لأنها بسيطة وعادلة ومحقة وليس لدينا خيار، هل نقول لهم اقتلونا بالجوع والعطش؛ فالحصار أكثر ضررا بشعبنا».

وفي المقابل، أكّد مصدر مسؤول في الهيئة العامة للنقل في السعودية، عبر وكالة الأنباء الرسمية (واس) تعرض السفينة «إنسيليا» للاستهداف في البحر الأحمر مما تسبب في حريق بمقدمتها، مع التأكيد على سلامة كافة أفراد الطاقم واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البيئة والسفينة. ووصف المصدر الهجوم بأنه «انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية».

وبالتوازي مع هذا التصعيد الميداني، أظهرت حركة الملاحة استجابات متباينة؛ إذ أفادت وكالة «رويترز» بأن بيانات الشحن أظهرت اتجاه ناقلتين صينيتين عملاقتين تحملان أربعة ملايين برميل من النفط السعودي نحو مضيق باب المندب، في اختبار عملي لمدى جدية الحوثيين في فرض الحظر.

 كما أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن ومن كبلر لتحليل البيانات، أن حركة الشحن عبر مضيق باب المندب تراجعت بسبب الأزمة في الشرق الأوسط، وظلت الحركة عبر مضيق هرمز ضعيفة، الأربعاء.

ووفقا للمصدر السابق، عبرت 27 سفينة، من بينها خمس ناقلات نفط وناقلة غاز بترول مسال، مضيق باب المندب، الأربعاء، بانخفاض عن 38 سفينة في اليوم السابق.

وفي المقابل، غيّرت خمس ناقلات، الأربعاء، مسارها لتجنب المضيق، بينما عادت ثلاث ناقلات أخرى محملة بالنفط السعودي أدراجها، الثلاثاء، مما يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تهدد إمدادات الطاقة العالمية على خلفية التوتر الإقليمي.

وسجلت أسعار النفط أعلى مستوياتها منذ شهرين تقريبا أمس الخميس مواصلة مكاسبها لليوم الخامس على التوالي، وذلك بعد أن أعلن الحوثيون في اليمن استهداف ناقلتي نفط سعوديتين، مما فاقم من اضطراب حركة شحن النفط ​العالمية عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز.

وقالت رويترز: «بحلول الساعة 13:10 بتوقيت غرينتش، صعدت العقود الآجلة لخام برنت 5.83 دولار أو 6.2٪ ‌إلى 99.90 دولار للبرميل بعد أن بلغت 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ أواخر مايو/ أيار».

ردود فعل داعية للهدوء

وعلى الساحة الدولية والإقليمية، توالت ردود الفعل الداعية إلى الهدوء وضمان سلامة خطوط الملاحة.

 وأعربت سلطنة عُمان عن متابعتها البالغة للتطورات، مشددة على ضرورة تجنب التصعيد وتأزيم الوضع، وأكدت تنسيقها المستمر مع السعودية والأطراف اليمنية والمبعوث الأممي لاستئناف المسار السياسي.

كذلك أدانت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بأشد العبارات ما وصفته بـ «الهجوم الإرهابي»، مؤكدة أن توقيت واستهداف الأعيان المدنية يرتبطان بأجندات خارجية.

كما جددت باكستان إدانتها للهجوم، خلال اتصال هاتفي بين رئيس وزرائها محمد شهباز شريف، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان 

مؤكدة دعمها المطلق لأمن المملكة وسيادتها. ودعت الخارجية الفرنسية الحوثيين إلى وقف الهجمات، واصفة إياها بـ «التصعيد الخطير وغير المسؤول».

وفي السياق ذاته، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن تهديدات الحوثيين تمثل «تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي وتصعيداً خطيراً يتطلب الوقف الفوري.«

فيما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه ‌سيحمل إيران مسؤولية أي هجمات يشنها الحوثيون اليمنيون، الذين أعلنوا هذا الأسبوع فرض حصار بحري على ⁠السعودية.

وأوضح، في منشور على منصة «تروث سوشال»، أن الحوثيين أظهروا انضباطاً منذ الضربات الأمريكية قبل عام، قبل أن يعاودوا التصعيد عبر استهداف سفينتين سعوديتين.

وحذر الرئيس الأمريكي قائلاً: «أرجو اعتبار هذا المنشور إعلاناً رسمياً بأنه في حال تكرار ذلك، فإن الولايات المتحدة ستُحمّل إيران المسؤولية المباشرة باعتبار الحوثيين وكلاء لها، وستفرض عقوبات عسكرية صارمة على إيران، إلى جانب إجراءات مباشرة ضد الحوثيين أنفسهم».

وفي تأكيد للخلفيات السياسية لهذه الخطوة، أوضح عضو المكتب السياسي لجماعة «أنصار الله»، حزام الأسد، أن هذه الإجراءات – وإن جاءت متأخرة – كانت ضرورية للرد على ما سمّاه التنصل السعودي من المسارات السياسية وخريطة الطريق بعد أحداث غزة.

فيما قال عضو المكتب السياسي للجماعة، محمد الفرح «سمّونا قراصنة، سمّونا وكلاء لإيران»، «لكن عليكم أن تعلموا أننا لن نبقى مكتوفي الأيدي ونصبر إلى ما لا نهاية، ونحن نرى شعبنا يموت جوعًا ومرضًا وحصارًا».

كما أصدرت حكومة الجماعة بياناً رفضت فيه ما جاء في بيان مجلس الوزراء السعودي الأخير، واعتبرته استمرارًا لما قالت إنه «مسلسل الأكاذيب والمغالطات وتزييف الحقائق الواضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار» 

 مؤكدة استمرارها في خيار «رفع الحصار عن اليمن».

وكان مجلس الوزراء السعودي قد أدان ما اعتبرها «ادعاءات الميليشيا الحوثية الإرهابية»، مشدداً على أن انخراطها في الصراع الإقليمي يخدم أجندات مشبوهة 

 معيداً التأكيد على حق المملكة في اتخاذ جميع الإجراءات الحازمة لحماية أمنها وسفنها وفق القانون الدولي لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982).

جبهة يمنيّة أخرى للتوتر

وفي الوقت الذي تشهد فيه الشواطئ اليمنية هذا التصعيد البحري المحموم، تسير التطورات السياسية والأمنية في الداخل نحو مزيد من التعقيد؛ إذ يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل تصعيده السياسي ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في مناطق نفوذها.

وشهدت محافظات جنوبية وشرقية، أمس الخميس، مظاهرات ووقفات احتجاجية ضمن ما سمّاه المجلس «التصعيد الثوري».

وشهدت مدينة عدن وقفة احتجاجية أمام ديوان المحافظة في مديرية المعلا نظمتها القيادة المحلية للانتقالي، تلتها مسيرة جماهيرية رفعت أعلام الانفصال، احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية ورفضاً لما وصفوها بـ «الوصاية والتدخلات الخارجية «.

وفي محافظة الضالع (جنوب) خرجت في مركز المحافظة مدينة الضالع تظاهرة حاشدة جابت الشارع العام بالمدينة، رفع فيها المشاركون أعلام الانفصال وشعارات تطالب بـ «استعادة الدولة» ورفض «الوصاية».

أيضًا، شهدت مدينة الغيضة مركز محافظة المهرة (أقصى شرقي البلاد) مسيرة حاشدة، «رفضًا للوصاية والتدخلات الخارجية». 

وفي محافظة أبين، وتحديدًا مدينة زنجبار، نظمت القيادة المحلية للانتقالي وقفة احتجاجية مؤكدة استمرار الفعاليات السلمية في مديريات المحافظة للمطالبة بتحقيق أهداف التصعيد.

ودشن المجلس الانتقالي المطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، والمدعوم من أبو ظبي، في السابع من يوليو/ تموز الجاري مرحلة جديدة من التصعيد.

وكان المتحدث الرسمي باسم المجلس، أنور التميمي، قد دعا، في بيان، جميع القوى المدنية والمجتمعية للبدء ببرنامج تصعيدي سلمي،

 مؤكداً استمرار هذه الإجراءات لتمكين رؤية المجلس والميثاق الوطني الجنوبي الصادر عنه، ومشدداً على رفض ما وصفه بـ «العبث والتدخلات السعودية» حتى استعادة القرار الجنوبي المستقل.

مما سبق، تضع التطورات المتسارعة في أزمة البحر الأحمر المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات مختلفة؛ ففي حين تصرّ جماعة الحوثيين على مشروعية إجراءاتها البحرية باعتبارها ورقة ضغط لرفع الحصار واستعادة حقوق اليمنيين،

 ترى الرياض والقوى الدولية في هذه الهجمات تهديداً لأمن الطاقة العالمي وانتهاكاً صارخاً لقوانين الملاحة الدولية.

وبين الروايات المتضاربة والتصعيد الميداني المتنامي على الأرض تتصاعد المخاوف العالمية من تمدد التوتر واتساعه، وصولاإلى نشوء نقطة اختناق جديدة لإمدادات النفط العالمية يدخل معها العالم في أزمة غير مسبوقة، خاصة في حال استمر إغلاق مضيق هرمز.

أترك تعليق

تبقى لديك ( ) حرف