في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب الملاحي، أتاحت سلطنة عُمان استخدام ممر بحري مؤقت لجميع السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية بشأن أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وينظر إلى الإعلان العُماني على أنه محاولة لتنظيم حركة السفن وتعزيز الثقة الدولية بسلامة الملاحة في المضيق الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، في ظل التوترات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ويقع مضيق هرمز بين السواحل الإيرانية شمالاً وسواحل سلطنة عمان جنوباً، وتحديداً محافظة مسندم العُمانية، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي.
ويعد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ تعتمد عليه اقتصادات كبرى لنقل النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية.
ورغم أن المضيق يعرف عالمياً بارتباطه بالسياسات الإيرانية والتهديدات المتكررة بإغلاقه، فإن الواقع القانوني والجغرافي يشير إلى أنه ممر مائي مشترك بين سلطنة عُمان وإيران، وتخضع الملاحة فيه لقواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن حق المرور العابر للسفن التجارية.
ونشر الحساب الرسمي لمركز الأمن البحري بسلطنة عُمان على منصة "إكس"، الأربعاء 24 يونيو الجاري، خريطة إرشادات للسفن الراغبة في عبور الممر العُماني في المضيق.
وعقب الإعلان العُماني، أظهرت بيانات الملاحة تحسناً ملحوظاً في حركة السفن عبر المضيق، بالتزامن مع إعلان عُمان عن فتح ممر بحري مؤقت عبر المضيق، في خطوة تهدف إلى تنظيم حركة السفن وضمان مرورها بأمان دون فرض رسوم عبور.
بحسب الإعلان الرسمي، فإن الممر البحري المؤقت يأتي استناداً إلى التزام السلطنة بمبادئ القانون الدولي وقانون البحار، مع التأكيد على حرية الملاحة وعدم فرض أي رسوم على السفن العابرة.
وأكدت السلطنة أن الترتيبات المستقبلية في مضيق هرمز لا تشمل فرض أي رسوم على عبور السفن، حسبما ذكرت وكالة الأنباء العُمانية الرسمية.
ونقلت الوكالة عن وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، قوله إن بلاده تضطلع بمسؤولية خاصة بصفتها دولة مشاطئة للمضيق في دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة البحرية، وفقاً لمسؤولياتها والتزاماتها بموجب القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وجاء ذلك خلال اجتماع وزراء خارجية دول الخليج العربية مع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في البحرين، الخميس 25 يونيو، لمناقشة الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
وزير الخارجية الأمريكي أكد أيضاً أن فرض رسوم على المرور عبر المضيق لا يمكن أن يكون شرطاً في أي اتفاق، معللاً ذلك بأن المضيق يقع ضمن المياه الدولية، ولا يحق لأي دولة مطالبة السفن بدفع رسوم مقابل العبور منه، في إشارة إلى إيران.
وشدّد روبيو على أن ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز يأتي في مقدمة الشروط ضمن أي اتفاق يتم التوصل إليه مع طهران، مضيفاً أن زيارته إلى المنطقة تهدف إلى التأكيد على أن مصالح وأمن حلفاء بلاده سيظلان في صدارة الاهتمام خلال المفاوضات مع إيران.
حق عُماني
المختص في الشأن الإقليمي محمود حلمي، أكد أن المبادرة العُمانية تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الملاحي، موضحاً أن مسقط تسعى إلى ترسيخ مفهوم أن أمن الملاحة في مضيق هرمز ليس ملفاً احتكارياً لأي طرف، وإنما مسؤولية مشتركة بين الدولتين المشاطئتين للمضيق والمجتمع الدولي.
وقال حلمي، إن "سلطنة عُمان تحاول من خلال هذه الخطوة تقديم نفسها باعتبارها طرفاً محايداً قادراً على إدارة التوازنات الإقليمية، بعيداً عن سياسات الاستقطاب والتجاذبات التي تشهدها المنطقة".
واعتبر أن الإعلان العُماني يمثل تطوراً مهماً في النقاش المتعلق بمستقبل مضيق هرمز، ويحمل رسالة مفادها أن حرية الملاحة يجب أن تبقى حقاً دولياً مكفولاً لجميع الدول، لا أداة للضغط السياسي أو ورقة تفاوضية في الصراعات الإقليمية.
وأضاف حلمي أن المبادرة تكتسب أهمية إضافية نتيجة التنسيق المباشر مع المنظمة البحرية الدولية، وهو ما يمنحها غطاءً قانونياً وفنياً دولياً، ويعزز ثقة شركات الشحن العالمية باستخدام الممر البحري المقترح.
وأوضح أن سلطنة عُمان تمتلك، من الناحية القانونية، حقاً سيادياً في مياهها الإقليمية الواقعة ضمن مضيق هرمز، كما يحق لها تنظيم حركة الملاحة داخل هذه المياه بالتنسيق مع الجهات الدولية المختصة،
إلا أن الواقع الجغرافي والسياسي يجعل من الصعب الحديث عن إدارة منفصلة بالكامل للمضيق دون أخذ الموقف الإيراني في الحسبان.
ويشير حلمي إلى أن مضيق هرمز ليس ممراً عُمانياً خالصاً ولا إيرانياً خالصاً، بل منطقة بحرية متداخلة تتقاسم فيها الدولتان مسؤولية الإشراف على حركة الملاحة، وهو ما يجعل أي ترتيبات طويلة الأمد بحاجة إلى قدر من التفاهم والتنسيق بين الجانبين، حتى وإن تم الإعلان عنها بصورة منفردة.
ولفت إلى أن هذا الواقع يفسر تأكيد البيان العُماني الإيراني المشترك على التزام البلدين بضمان العبور الآمن للسفن، مع التشديد على احترام أحكام القانون الدولي المنظمة للملاحة البحرية.
ويؤكد حلمي أن نجاح المبادرة العُمانية سيظل مرتبطاً بقدرة مسقط على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات القانون الدولي والحقائق الجغرافية والسياسية التي تحكم المضيق،
مشيراً إلى أن الموقع الاستراتيجي لعُمان ودورها الدبلوماسي يمنحانها مساحة مهمة للتحرك، لكن إدارة الملاحة في هرمز ستبقى مرتبطة بالتفاهمات الإقليمية والدولية الأوسع.
رفض إيراني
في الوقت الذي رحبت فيه دول خليجية والولايات المتحدة بالمبادرة العُمانية، صدرت مؤشرات معاكسة من طهران، حيث حذرت بحرية الحرس الثوري الإيراني من استخدام أي مسارات لا يتم التنسيق بشأنها مع إيران.
وحذرت بحرية الحرس الثوري الإيراني من إبحار السفن خارج المسارات التي تحدّدها إيران في مضيق هرمز، مشيرة إلى أن أي ممر جديد يعلن عنه دون تنسيق معها يُعدّ "أمراً مرفوضاً وينطوي على خطورة بالغة".
ورغم تحذيرات الحرس الثوري، بحث وزيرا خارجية عُمان بدر البوسعيدي وإيران عباس عراقجي، الترتيبات المؤقتة الخاصة بتنفيذ التفاهمات المتعلقة بحرية الملاحة في مضيق هرمز، في إطار متابعة مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويكشف هذا الموقف عن التباين بين الرؤية العُمانية التي تركز على تدويل أمن الملاحة وربطه بالقانون الدولي، والرؤية الإيرانية التي تنظر إلى المضيق على أنه منطقة أمنية تتطلب تنسيقاً مباشراً معها باعتبارها إحدى الدولتين المشاطئتين.


26 يونيو, 2026
22847 


مساحة حرة
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً




