تحل في 25 يونيو 2026 الذكرى الـ13 لتولي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم في دولة قطر، بعدما تسلم السلطة عام 2013 من الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في انتقال سياسي هادئ دشن مرحلة جديدة في مسار الدولة الخليجية والمنطقة عموماً.
وخلال 13 عاماً، لم تكتفِ قطر بتثبيت حضورها الداخلي عبر مشاريع التنمية والطاقة والبنية التحتية، بل وسعت حضورها الخارجي في ملفات إقليمية ودولية معقدة لتتحول الدوحة إلى محطة تفاوضية دائمة في أزمات شملت أفغانستان، وغزة وإيران والسودان ولبنان، وعدد من ملفات تبادل المحتجزين والتهدئة.
كما تأتي ذكرى هذا العام في توقيت سياسي لافت بعد الدور الذي لعبته الدوحة في الاتصالات المرتبطة بإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وما تبعها من تفاهمات أولية بين واشنطن وطهران بشأن وقف العمليات وفتح مسار تفاوضي جديد حول الملفات العالقة، وفي مقدمتها أمن الملاحة ومضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
وبين موقعها كحليف رئيسي للولايات المتحدة، وعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران، وحضورها في ملفات غزة وأفغانستان، بنت قطر خلال سنوات حكم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني صورة سياسية تقوم على الوساطة وإدارة القنوات الصعبة، في منطقة لا تعاني من نقص الأزمات بقدر ما تعاني من نقص الوسطاء القادرين على الحديث مع الجميع.
مرحلة جديدة
ومنذ السنوات الأولى لحكمه، حافظ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على الخطوط العامة للسياسة القطرية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والدبلوماسية النشطة والإعلام والرياضة والتعليم، مع تعزيز حضور قطر في الملفات الإقليمية التي تتطلب وساطة بين أطراف متخاصمة أو فتح قنوات اتصال غير مباشرة.
وعلى الصعيد الداخلي واصلت الدولة تنفيذ المشاريع المرتبطة برؤية قطر الوطنية 2030، القائمة على تنويع الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستثمار في الإنسان. وتزامن ذلك مع ترسيخ مكانة قطر كإحدى أبرز الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، بما منحها ثقلاً اقتصادياً وسياسياً متزايداً على الساحة الدولية.
ومن أبرز محطات الإصلاح الداخلي في عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إقرار التعديلات الدستورية التي شكلت خطوة لافتة في مسار تحديث البنية التشريعية وتعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ففي نوفمبر 2024، صدق أمير قطر على التعديلات الدستورية بعد إقرارها في استفتاء عام حظي بتأييد 90.6% من المشاركين، في مؤشر على دعم شعبي واسع لمسار التحديث الدستوري الذي تبنته الدولة.
وشملت التعديلات، بحسب مجلس الشورى القطري، عدداً من مواد الدستور الدائم لدولة قطر، وهي المواد: 1، 7، 13، 74، 77، 80، 81، 83، 86، 103، 104، 114، 117، و160، إلى جانب إضافة المادة 75 مكرراً، وإلغاء المواد 78 و79 و82.
وحملت بعض التعديلات دلالات داخلية مهمة، لا سيما تعديل المادة 117 المتعلقة بتولي المناصب الوزارية، إذ أصبحت تنص على أنه "لا يلي الوزارة إلا من كانت جنسيته قطرية"، بدلاً من النص السابق الذي كان يشترط أن تكون جنسيته "الأصلية" قطرية، ليفتح هذا التعديل الباب أمام المواطنين القطريين المجنسين لتولي مناصب وزارية، بما يعزز مبدأ الاندماج الوطني وتوسيع قاعدة المشاركة في المسؤوليات العامة.
كما عكست التعديلات توجهاً إلى تثبيت دور قطر الدبلوماسي ضمن الإطار الدستوري، من خلال إضافة نص يؤكد "دور الدولة في حل المنازعات إقليمياً ودولياً عبر الوساطة والحوار، وما يتطلبه ذلك من الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف".
وبذلك لم تقتصر هذه التعديلات على الجوانب القانونية فحسب، بل حملت أبعاداً سياسية ومجتمعية أوسع، إذ جمعت بين تحديث مؤسسات الدولة، وتعزيز مفهوم المواطنة، وترسيخ الدور الدبلوماسي الذي بات أحد أبرز ملامح السياسة القطرية خلال العقد الأخير.
وفي قطاع التعليم والبحث العلمي واصلت المدينة التعليمية التابعة لمؤسسة قطر استضافة فروع لعدد من الجامعات العالمية، تضم أكثر من 8 جامعات دولية، إلى جانب مراكز بحثية متخصصة، في إطار توجه الدولة لتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة وتنمية رأس المال البشري.
تفكيك الأزمات
وخلال العقد الأخير، واجهت قطر سلسلة من الأزمات الإقليمية الحادة، بدءاً من الأزمة الخليجية بين عامي 2017 و2021، مروراً بتداعيات الحرب على غزة والتوترات الأمريكية الإيرانية، وصولاً إلى التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران و"إسرائيل".
أسهمت هذه المحطات في إبراز الحضور الدبلوماسي للدوحة، بوصفها طرفاً قادراً على التواصل مع أطراف متباينة وفتح مسارات تفاوضية في أوقات الأزمات.
كما برز الدور القطري بصورة مباشرة خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، بعدما قادت الدوحة إلى جانب باكستان جهود وساطة بين واشنطن وطهران انتهت بتوقيع مذكرة إسلام آباد للتفاهم، في 17 يونيو 2026، التي أرست إطاراً أولياً لوقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي بشأن القضايا الخلافية بين الجانبين.
ولم يتوقف الدور القطري عند توقيع المذكرة، إذ انتقلت الوساطة إلى مرحلة أكثر تقدماً مع استضافة مفاوضات بحيرة لوسيرن في منتجع "بورغنشتوك" القطري بسويسرا، بين الولايات المتحدة وإيران، فيما تولت قطر وباكستان إدارة الوساطة والإشراف على المباحثات الهادفة إلى تنفيذ بنود مذكرة التفاهم.
ويأتي هذا الدور امتداداً لنهج اعتمدته قطر في سياستها الخارجية خلال السنوات الماضية، حيث جعلت من الوساطة أداة رئيسية لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، مستفيدة من قدرتها على بناء قنوات اتصال مع أطراف متباينة سياسياً وأمنياً.
ففي الوقت الذي تستضيف فيه الدوحة قاعدة العديد، وهي من أبرز القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، حافظت أيضاً على علاقات دبلوماسية استراتيجية مع إيران، وفتحت قنوات اتصال مع قوى وحركات لا تتواصل معها واشنطن مباشرة، ما منحها مساحة حركة واسعة في إدارة الملفات المعقدة.
وقد برز هذا الدور بوضوح في الملف الأفغاني، إذ استضافت الدوحة لسنوات مكتب حركة طالبان السياسي، واحتضنت مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين الحركة والولايات المتحدة، قبل توقيع اتفاق الدوحة في فبراير 2020، الذي مهّد لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان وفتح مسار سياسي جديد في البلاد.
كما أدت قطر دوراً محورياً في ملف غزة، خصوصاً في مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، إلى جانب مصر والولايات المتحدة.
وفي يناير 2025، أعلنت الدوحة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، تضمن تبادل الأسرى والرهائن وتهيئة الطريق لاستعادة الهدوء، تمهيداً لمسار أوسع نحو وقف دائم للحرب.
كما لم يقتصر الدور القطري على الأزمات السياسية الكبرى، بل امتد إلى ملفات إنسانية وأمنية معقدة، من بينها تبادل السجناء بين الولايات المتحدة وإيران، وتسهيل الاتصالات في أزمات إقليمية متعددة في إفريقيا وآسيا.
وبذلك رسخت الدوحة موقعها كمركز تفاوضي تلجأ إليه قوى دولية وإقليمية عندما تتعطل القنوات المباشرة، أو تصبح الوساطة عاملاً ضرورياً في إدارة الأزمات وخفض التصعيد.
إنجازات اقتصادية
واصلت قطر خلال السنوات الـ13 الماضية تعزيز موقعها في قطاع الطاقة، مع تقدم مشروع توسعة حقل الشمال، أكبر حقل منفرد للغاز الطبيعي في العالم.
ويستهدف المشروع رفع الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنوياً إلى 126 مليون طن مع تشغيل مشروع حقل الشمال الشرقي، ثم إلى 142 مليون طن سنوياً بعد اكتمال مراحل التوسعة بحلول عام 2030، بزيادة إجمالية تقارب 85% مقارنة بالطاقة الإنتاجية السابقة.
وعلى صعيد الاستثمار السيادي ارتفعت أصول جهاز قطر للاستثمار إلى نحو 600 مليار دولار، بنهاية الربع الأول من عام 2026، ليحافظ على موقعه ضمن أكبر 10 صناديق ثروة سيادية في العالم، مع استثمارات تمتد إلى قطاعات الطاقة والعقارات والتكنولوجيا والبنية التحتية والخدمات المالية في عشرات الدول.
وسجلت قطر، في فبراير 2026، معدل توظيف بلغ 99.9%، لتكون بذلك الأولى عالمياً كصاحبة أدنى معدل بطالة بنحو 0.1% فقط.
وفي قطاع النقل اكتملت توسعة مطار حمد الدولي خلال عام 2025، لترتفع طاقته الاستيعابية إلى نحو 70 مليون مسافر سنوياً، بينما واصل ميناء حمد تعزيز مكانته اللوجستية، بعدما حل في المركز الـ11 عالمياً ضمن مؤشر أداء موانئ الحاويات لعام 2024، إلى جانب تصدره موانئ الخليج في عدد من مؤشرات الكفاءة التشغيلية.
كما واصلت قطر تنفيذ مشاريع "رؤية قطر الوطنية 2030" الرامية إلى تنويع الاقتصاد، من خلال التوسع في قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، بالتوازي مع تعزيز مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وتقليل الاعتماد النسبي على عائدات النفط والغاز.
وعلى مستوى المؤشرات المالية حافظت قطر على تصنيف ائتماني مرتفع، إذ أبقت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيفها عند "AA/A-1+" مع نظرة مستقبلية مستقرة خلال عام 2026، مستندة إلى قوة المركز المالي للدولة وارتفاع الأصول السيادية وانخفاض مستويات الدين مقارنة بالعديد من الاقتصادات المماثلة.
كأس العالم والقوة الناعمة
شكل تنظيم قطر لكأس العالم 2022 أبرز محطات القوة الناعمة القطرية خلال عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بعدما أصبحت قطر أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف البطولة.
واستقبلت البطولة أكثر من 1.4 مليون زائر دولي، فيما بلغ إجمالي الحضور الجماهيري للمباريات نحو 3.4 ملايين مشجع، وشاهد منافساتها ما يقارب 5 مليارات شخص عبر مختلف المنصات حول العالم.
ورافق استضافة البطولة تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة شملت إنشاء أو تطوير 8 ملاعب، وتشغيل مترو الدوحة الذي يضم 37 محطة موزعة على ثلاثة خطوط رئيسية، إلى جانب توسعة مطار حمد الدولي لرفع طاقته الاستيعابية إلى نحو 70 مليون مسافر سنوياً، وتطوير شبكة طرق سريعة ومرافق خدمية دعمت استضافة الحدث العالمي.
كما عززت الخطوط الجوية القطرية حضورها الدولي بعدما وسعت شبكة وجهاتها إلى أكثر من 170 وجهة حول العالم، وحافظت على تصنيفها ضمن أفضل شركات الطيران العالمية فيما واصلت شبكة الجزيرة توسيع انتشارها الإعلامي عبر قنوات ومنصات رقمية تصل إلى مئات الملايين من المتابعين في مختلف القارات.
ولم يقتصر تأثير هذه المشاريع على الجوانب الرياضية أو الخدمية، بل أسهمت في ترسيخ الحضور الدولي لقطر وتحويل الدوحة إلى وجهة لاستضافة المؤتمرات والقمم والفعاليات الرياضية والدبلوماسية، مستفيدة من شبكة نقل حديثة وبنية تحتية جرى تطوير جزء كبير منها استعداداً لكأس العالم واستمر تشغيلها بعد انتهاء البطولة.


26 يونيو, 2026
25850 


مساحة حرة
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً




