أتابع منذ سنوات ما يدور في وطني اليمن، وأجد نفسي مضطرًا لتقديم تقييم واقعي مدعوم ببيانات التنمية العالمية والتجارب الناجحة:
اليمن اليوم يعيش في حلقة من الصراعات والأزمات المترابطة، حيث تُدار الموارد البسيطة والمحدودة في سياقات محلية متصارعة تُنتج غالبًا نتائج كارثية للمجتمع،
وأكبر إنجاز محتمل للمملكة العربية السعودية —التي تقدّم دعمًا خالصًا وكبيرًا لليمن— وللجهات الشريفة الأخرى هو تحقيق استقرار نسبي لفترةٍ وجيزة، لا تتجاوز أثر المسكّنات الطبية للألم،
لا بناء تنمية مستدامة في بلد يفتقر حاليًا إلى بوصلة وطنية موحّدة وقيادات مؤسسية وقدرات تنفيذية متكاملة.
التجارب السابقة في صنعاء وعدن وتعز ومأرب وغيرها من مناطق اليمن تُظهر تحديات هيكلية عميقة، مثل الهياكل التقليدية (قبلية ومناطقية وانفصالية وسلالية ودينية) التي تعيق التنمية الحديثة،
والتي أدّت إلى نمو حضري عشوائي لمشاريعها وتدهور خدمات أساسية وتشكل بيئة طاردة لرأس المال والعقل اليمني والاستثمار.
مع ارتفع عدد السكّان من 43 مليون حاليًا الى 55 مليون نسمة، ستتفاقم هذه التحديات خلال عقد،
مُحوِّلة المدن الداخلية إلى مناطق مكتظّة بالبطالة والضغط على الموارد وأنتشار الصراعات والجريمة، إن لم نُدخل تغييرًا جذريًا اليوم.
من منطلق تجارب الشعوب النهوضية مثل سنغافورة (مساحة 728 كم² فقط، ناتج قومي للفرد 82 ألف دولار) وتايوان (دخل قومي يفوق اليمن 17 ضعفًا رغم قربها الجغرافي من الصين)،
مقابل اليمن الذي يمتلك مساحة شاسعة (555 ألف كم²) لكن نصيب الفرد من الناتج المحليّ الإجماليّ لا يتجاوز 450 دولارًا سنويًا (تقديرات البنك الدوليّ 2025)، مما يُصَنِّفُهُ ثاني أفقر دول العالم بعد انهيار الاقتصاديِّ بسبب الصراعات المُطَوَّلَةِ،
أقترح مشروعًا وطنيًّا رُفِعَ منذ سنوات يُقَدِّمُ فكرةً عمليّةً وقابلةً للتنفيذ فورًا: بناء نموذج تنموي ناجح داخل الجغرافيا اليمنية، ينطلق من ثلاث مناطق ذات استقرار نسبي —سقطرى والمهرة وذو باب–المخا— كتكمُّل للجهود الحالية، لا بديل عنها.
جوهر الفكرة فصل مسارين متكاملين للعمل: الأوّل يُمكِّن كل محافظة أو إقليمًا من إدارة مواردها محليًا عبر مجالس وطنية —حتى النفطية— لمدّة خمس سنوات، مع دعم فني ومراقبة، ليُظْهَرَ أداؤها الحقيقي أمام شعبها،
مما يكشف الإمكانيات الفعلية أو الثغرات، ويُحوِّل المنافسة من الابتزاز والصراع والتحشيد إلى التنمية الإيجابية. أمّا المسار الثاني، الأساسي لإنقاذ المستقبل والمنطقة، فيُقْتَطَعُ فيه جزء محدود من الجغرافيا الآمنة ليكون لبناء “اليمن الجديد”:
نموذج حديث قائم على الحكم الرشيد، الاقتصاد المعرفي، والانفتاح المنضبط والقدرات، يُكمِّلُ الجهود الوطنية والإقليمية.
تبرز سقطرى والمهرة والساحل الغربي بمؤهَّلَاتِها الاستثنائية: موقع استراتيجي قريب من خطوط الملاحة الدولية (سقطرى تبعد 100 ميل بحري فقط)،
استقرار نسبي، وإمكانات لوجستية هائلة تجعلها مثالية لاستيعاب أفضل ما في اليمن — رؤوس الأموال من الشتات (تحويلات تصل 4-8 مليار دولار سنويًا)، النخب، الجامعات، والكفاءات—
بالإضافة إلى الاستثمار الخليجي والدولي. لهذه المناطق نصمم سياسة اكتشاف وتطوير المواهب البشرية بناءً على مبادئ علمية مثبتة:
أوّلها أن المواهب الفطرية موجودة عبر الطبقات الاجتماعية،
وثانيها أنها تحتاج بيئة مؤسِّسِيَّة للازدهار. هكذا تصبح هذه المناطق مغناطيسًا للبحث الاستباقي عن رأس المال البشري في المجتمع اليمني، مُحَوِّلَةً إيَّاهُ إلى محرك تنموي يحمل اليمن مستقبلًا.
في سقطرى مثلًا (مساحة 3600 كم²، أكبر من سنغافورة خمس مرات)، نُنشئ مدينة تنموية حديثة على 700 كم²،
مع حماية الباقي كمحمية طبيعية عالمية، لتُصْبِحَ مركزًا للوجستيات، التعليم العالي والفني والمهني والمال والصناعات الدقيقة، والسياحة المستدامة —رافعة لصورة اليمن كدولة حارسة لتراثها ومستغلَّةٍ لموقعها الجيوسياسي.
جيوسياسيًا، يُمْتَلِكُ اليمن ورقة ذهبية ايضًا: مضيق باب المندب، ممرّ 12% من التجارة العالمية. غياب الرؤية المتكاملة حوَّلَهُ إلى نقطة استنزاف،
لكن دمج سقطرى والمهرة والمخا وذباب في مشروع تنموي يُعِيدُ توظِيفَهُ، مُحَوِّلًا اليمن إلى شريك حيويٍّ في الملاحة الدولية، مُخَفِّفًا عبء الدعم السعودي طويل الأمد ومُعَزِّزًا الاستقرار الإقليمي.
التنفيذ بسيط وقابل للإطلاق فورًا:
(1) إقرار قانون "مناطق تنمية استراتيجية" يُؤَكِّدُ السيادة اليمنية، يمنع العسكرة، ويُنشئ صندوقًا سياديًا تنموي لهذه الثلاث مناطق بضمانات تحكيم دوليٍّ وإعفاءات ضريبيّة؛
(2) التعاقد مع بيوت خبرة ألمانية/أوروبيّة أو صينية لمخطِّط عمراني واقتصادي متكامل،
أمّا إذا سُلِّم التخطيط لمن لا يمتلك رؤيةً وخبرةً مؤسسية من الاخوة اليمنيين، فسيُحكَم على المشروع بالفشل منذ يومه الأول، ونكون بذلك قد ساهمنا —عن غير قصد— في تدمير ما تبقّى، بدل أن نصنع منه نقطة انطلاق؛
(3) حملة استقطاب الشتات والمستثمرين مع شفافيّة تامَّة في العقود. التجارب اليمنيّة تُثْبِتُ أنَّ العشوائيَّة والارتجال وأفتعال الفهم عند الاخوة اليمنيين تُهْدِرُ الفرص وتدمر مابقى، فالتخطيط الدوليُّ ضرورة.
هذا المشروع يُوْلِدُ نموذجًا جديدًا يُخَفِّفُ الضغط عن المدن، يُعِيدُ الثقة للكفاءات، ويُنْتِجُ فرص عمل لملايين الشباب. تجاهُلُهُ يُعْرِضُ سقطرى لنفوذ خارجيٍّ،
بينما تبنِّيهُ يَجْعَلُ اليمن جزءًا من الحلِّ العالميِّ في الأمن والتجارة. هذا ليس حلاًّ كاملاً، بل "قصَّة نجاح وطنيَّة" تبني الثقة وتُقْنِعُ الجميع بإمكانيَّات اليمن الحقيقيَّة.
على استعدادِّ تامٍّ لتفاصيل وخطط تنفيذيَّة. قناعتي ترتكز على إن جوهر هذه الفكرة ليس في البُنى ولا في الخطط فحسب، بل في الإنسان اليمني الذي أثبت عبر التاريخ قدرته على النهوض رغم العوائق خارج بلده.
فالتنمية الحقيقية تبدأ حين يجد المواطن تعليمًا نوعيًا، وخدماتٍ تحفظ كرامته، وفرصًا تُمكّنه من العمل والإبداع داخل وطنه لا خارجه.
ما اطرحه ليس مشروعًا اقتصاديًا جامدًا، بل رؤيةٌ لإحياء الأمل، لترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، ولتحويل المعاناة إلى طاقة بناء.
فحين تستعيد الأسرة استقرارها، والمدرسة رسالتها، والمدن إيقاعها المنتج، يصبح اليمن منارةً جديدةً في الإقليم — نموذجًا لدولةٍ أعادت تعريف النهوض من قلب الأزمات.


12 يناير, 2026
20065 


مساحة حرة
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً




